الشيخ محمد رشيد رضا
167
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فكان من تأثيرها في أنفسهم أن جعلوا ما يستقذره مترفوا العرب في حضارتهم محرما على البدو البائسين وعلى خلق اللّه أجمعين ولولا تأثير هذه الحضارة لراعوا في اجتهادهم الأصول القطعية في يسر الشريعة وعمومها ولا يعقل أن يكلف اللّه جميع الأمم التزام ذوق منعمي العرب في طعامهم - ولتذكروا ان هذا التشدد في التحريم يضيق على أكثر الناس وهم الفاء والمعوزون أمر معيشتهم ، والتوسع في أصل الإباحة ينفعهم ولا يضر غيرهم من المترفين والموسرين كما راعى ذلك عمر بن الخطاب ( رض ) فيما روى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير قال سألت جابرا عن الضب فقال لا تطعموه وقذره وقال : قال عمر بن الخطاب إن النبي ( ص ) لم يحرمه ، ان اللّه ينفع به غير واحد وانما طعام عامة الرعاء منه ولو كان عندي طعمته اه ثم لتذكروا مع هذا وذاك ما عظم اللّه من أمر التحريم ، وقد كنا نأخذ كلام هؤلاء المشددين بالتسليم ونجده غنيا عن البحث فيه لموافقته لا ذواقنا وعيشتنا فقد نشأنا في بيت لا يكاد يأكل أهله من لحوم الأنعام الا الضأن ويعافون لحم الب وما تعودنا اكله الا في السفر ، وأن للمجتهدين ثوابا حتى فيما أخطأوا فيه لحسن نيتهم في اجتهادهم ولكن لا عذر للمقلدين في اتباع كل طائفة منهم لمذهب في كل ما يقوله علماؤه وترك النظر في كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله ( ص ) وترك العمل بهما إذا دعوا اليهما والاعراض عمن يدعوهم اليه بل الطعن فيه . وما كان أحد من الأئمة المجتهدين يجيز هذا التقليد ، ويرضى أن يتخذ شريكا للّه تعالى في التحليل والتحريم وسائر أنواع التشريع وليس فيما أطلنا به في تفسير الآية استطراد ولا خروج عن الموضوع ولو تتبعنا كل ما قال الفقهاء بتحريمه منافيا لها وبينا بطلان أدلتهم عليه لم نكن خارجين عن حد تفسيرها ولكن ما تركنا ذكره أضعف مما ذكرناه دليلا كالنهي عن أكل الهر والخيل وكلاهما لا يصح رواية ويعارضه ما هو أصح منه وملخص ما تقدم ان آية الانعام التي فسرناها بما تقدم هي أصل الشريعة المحكم فيما يحل ويحرم من الطعام كما فهمها حبر الأمة وامام المفسرين الأعظم عبد اللّه ابن عباس وغيره من علماء الصحابة والفخر الرازي من مفسري أهل النظر ومن وافقه كالنيسابورى وان اللّه تعالى لو علم عند انزالها - وهو علام الغيوب - انه سينسخها أو يخصص عمومها لما انزلها بصيغة الحصر ولما أكدها المرة بعد المرة قبل الهجرة وبعدها وأيدها بما تقدم من مؤكداتها ومؤيداتها وهي أنواع :